عبد الشافى محمد عبد اللطيف

74

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الأمور تجري على هذا الوضع الصعب في مكة ، وبينما كان خصوم الدعوة يظنون أنهم حاصروها وجعلوها تسير في طريق مسدود ، كانت المقادير تهيئ للدعوة قوما آخرين اختارهم اللّه تعالى لها أنصارا ولنبيه أتباعا ، فجاءت تباشير النصر من يثرب . فبينما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في المواسم - دون جدوى - كان عرب يثرب مشغولين في التحضيرات لحرب بعاث ، التي كانت آخر مراحل الصراع بينهم ، وقد جاء إلى مكة وفد من بني عبد الأشهل على رأسهم أبو الحيسر ابن رافع يلتمسون حلف قريش على بني عمهم الخزرج ، فسمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأتاهم وقال لهم : « هل لكم في خير مما جئتم إليه ؟ » قالوا : وما ذاك ؟ قال : « أنا رسول اللّه ، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأنزل عليّ الكتاب ، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن » . فقال أحد أعضاء الوفد ، وهو إياس بن معاذ : « أي قوم ، هذا واللّه خير مما جئتم له » « 1 » . ولكن رئيس الوفد رده بأنهم مشغولون بغير هذا . وإذا كان هؤلاء في شغل بأمر الحرب ، فقد شاء اللّه تعالى أن يلقى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الموسم نفسه رجالا من الخزرج ، فتكلم إليهم بمثل ما تكلم به إلى الأوس ؛ فشرح اللّه صدورهم للإسلام ، وقال بعضهم لبعض : « يا قوم ، واللّه إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه » . فأجابوه وصدقوه وقالوا له : « إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم اللّه بك فسنقوم عليهم ، وندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الذين ، فإن يجمعهم اللّه عليه فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا وقد آمنوا وصدقوا » « 2 » . * التحول الكبير في موقف عرب يثرب : كان لقاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم بهؤلاء الرجال الخزرجين ، فتحا هائلا أمام الدعوة الخالدة ، فما أن وصلوا إلى بلدهم وأخبروا قومهم بما حدث بينهم وبينه ، حتى أقبلوا عليه بشعف وفشا فيهم الإسلام ، فلم يبق دار من دور المدينة إلا وفيها ذكر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودعوته ، وكان صدى ذلك واسع النطاق ، وكانت النتيجة أن وفدا من

--> فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه ، قال : قلت لأبي : يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال : هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب » ، المصدر السابق نفسه ( 2 / 32 ) . ( 1 ) المصدر السابق نفسه ( 2 / 37 ) . ( 2 ) المصدر السابق نفسه ( 2 / 38 ) .